محمد بن جعفر الكتاني
172
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
وكان عالما عاملا ، صوفيا كاملا ، ممن تقصر عن محاسنه الأقلام ، وتكل دون منتهاها ألسنة الأنام ، أمره أشهر من نار على علم ، فكأنه بدر تم طلع في ديجور الظلم ، قد برع في سائر الفنون ، وغاص في لججها فاستخرج منها نفائس الدر المكنون ، جامعا لأدوات الاجتهاد ، مائلا إليه في الحكم والاعتقاد ، قادرا على الاستنباط ، عارفا بما بين العلة والمعلول من جوامع الارتباط ، بالغا غاية الأرب ، في تحقيق علوم الأدب ، من النحو والتصريف ، واللغة والعروض ، والقوافي والمعاني ، والبيان والبديع ، وصناعة الشعر والترسيل ، وأنساب العرب وأيامها ، وتواريخ غيرها من الأمم السالفة ، وتراجم الأعيان وسائر المحاضرات ، لا يدرك شأوه . وألف تآليف عديدة مختلفة الأوضاع ، عم بها في سائر الأقطار الانتفاع ؛ منها : شرح " الفريدة " للسيوطي ، وشرح " النصيحة " ، و " الحكم العطائية " ، و " الصلاة المشيشية " ، و " القواعد الزروقية " ، و " الهمزية " التي عارض بها " همزية " البوصيري ، وحاشية على توضيح ابن هشام لم تكمل ، بلغ [ 159 ] فيها إلى المفعول المطلق ، وتعليق على البخاري ، وتفسير على مواضع من القرآن . وله أنظام وأشعار ، تآليفه كلها في غاية التحقيق ، ويذكر أنه ألف تأليفا في تفضيل العجم على العرب ، وبسبه وقع التشنيع عليه من بعض أهل عصره . وقال الشيخ أبو العباس ابن عجيبة في " طبقات الأعيان " : « حدثني بعض شيوخنا الفاسيين ، أنه مكذوب عليه ولم يوجد في تركته » . ه . وقال في " التقاط الدرر " ما نصه : « سمعنا أنه ألف تأليفا في تفضيل العجم على العرب ، وأودع بعض كتبه بعض المسائل توذن بأنه يرى ذلك . . . » . ه . وكتب الشيخ أبو عبد اللّه ابن الحسن البناني في هامشه بخطه على قوله في تفضيل العجم على العرب ما نصه : « حاشا اللّه ؛ لم يقل ذلك ولم يشر إليه ، إنما مضمن تأليفه : منع التفضيل بين الأشخاص بغير التقوى » . وكتب على قوله : « وأودع بعض كتبه . . . إلخ » ، ما نصه : « حاشاه ؛ بل دينه فوق ذلك ! » . ه . قرأ - رحمه اللّه - على الشيخ أبي عبد اللّه محمد بن عبد القادر الفاسي ، وأبي العباس أحمد ابن العربي ابن الحاج ، والشيخ أبي عبد اللّه محمد بن أحمد المسناوي . . . وغيرهم . وأخذ عنه جماعة من أعيان فاس ، وحج سنة أربعين ومائة وألف ، ولقي هنالك ناسا من أهل الخير . ولما دخل مصر ورأى ما عليه الناس بها من الولوع بشرب الدخان ؛ عاب عليهم ذلك وأكثر الكلام فيه ، وصرح بتحريمه ، فعقد علماؤها مجلسا لمناظرته في جامع الأزهار ؛ فناظرهم ، وكان كلما احتج عليهم بنص ، يقولون : « هذه نصوص المالكية ونحن حنفيون وشوافع » ، فلما طال المجلس بينهم